هشام جعيط

261

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

بصدد السباحة في الخيال بل أن هناك أرضية من الواقع نقف عليها . لكنه يجول بنا على هواه ، ويتحول بنا من اليمين إلى الشمال ، ثم يدور بنا نصف دورة ، ويتركنا متعطشين للتعرف على الأماكن . لقد قال الكثير عنها ولم يقل ما به يشفي غلتنا . والمفارقة هي أنه يحثنا على النزوع إلى الاستماتة في البحث الطوبوغرافي لكونه يقول الكثير ولا يقول ما يغني . هذا ميل مشروع ضروري وغير مجد في آن . أليس الأساس أن نفهم حقيقة بنية المدينة وسير أجهزتها ؟ وألا يكون مما لا طائل من ورائه للتعمق في المعرفة أن نتأكد أن السبخة كانت تقع في الشمال الشرقي لا في الشمال الغربي ؟ هذا صحيح دون شك ضمن مشروع شامل للفهم الوظيفي . وليس بصحيح ، إذا اعتمدنا منظور إدراك الملموس حيث يريد المرء معرفة طريقه لا أن يعطيه ظهره . وهناك حقيقة أصلية للأماكن تجعلها حيث هي لا في موضع آخر . وما نستفيده من التمعن في هذه الروايات أنها تتيح بعض الفرص لإدراك هذه الحقيقة - ولعلنا نتيه - وتفتح لنا آفاق شاسعة لروح الأماكن ، وترسم لنا دون شعور منها الرسم الجانبي للشخصية الجسدية للكوفة في حياتها الملموسة أكثر ما تكون نصاعة : نحن لا نتحرك في المجردات بل نحافظ على حد أدنى للاتجاه ، مثلنا مثل مسافر متعجل نزل بمدينة يجهلها ، وقام بجولة فيها ، بحيث يمكن لنا التعمق في التخطيط والاجتهاد في معرفة سكة معينة ، أو التشبع بجو المدينة دون النظر لأي تخطيط ، أو الانتقال من النظر إلى التخطيط إلى تأمل المحيط . إن مصادرنا تمدّنا بالاختيار نفسه . وشعورنا بصحبة أبي مخنف شعور مزدوج مرير : شعور بتقدمنا الكبير وشعور بتعثرنا التام . وما قدمه بخصوص جولته عبر المدينة يسمح لنا برؤية كل شيء مع أننا لن نقدر على الرجوع إلى الفندق لو كان علينا الذهاب إليه بمفردنا .